بيبي إسكوبار: ترامب يقدّم التحية لـ«معبد السماء»
ترجمة: لينا الحسيني
إذا افترضنا قدراً من حسن النيّة، يمكننا القول إنّ شي جين بينغ وترامب توصّلا إلى إطار استقرار يمتدّ لثلاث سنوات.
زار ترامب «معبد السماء» الذي بُني عام 1420، بوصفه رمزاً للعلاقة بين السماء والبشر.
الدلالة: شباب الصين الحديثة يلتقون بتاريخها العميق، فيما بدا الرئيس الأميركي عاجزًا عن استيعاب درس حضاري مكثّف يُعرض أمامه مباشرة.
شي جين بينغ كان حادًا وواضحًا حين قال:
«يجب أن نكون شركاء لا خصوماً».
جملة بدت صادمة لواشنطن، خصوصًا بعد سنوات من الحروب التجارية، والعقوبات التكنولوجية، والهستيريا حول تايوان، ومحاولات التطويق العسكري للصين، والمواجهة الجيو-اقتصادية، والخطاب المعادي لبكين.
ثم أضاف شي، في مأدبة الدولة:
«يمكن لنهضة الأمة الصينية العظيمة وجعل أميركا عظيمة مجدداً أن يسيرا جنباً إلى جنب».
مرة أخرى، بدا الأميركيون مرتبكين أمام اللغة الصينية الرمزية.
بعدها لخّص شي الوضع العالمي بجملة واحدة:
«التحوّل الذي لم يشهد العالم مثله منذ قرن يتسارع، والوضع الدولي يشهد سيولة واضطرابًا».
وهي العبارة نفسها تقريبًا التي استخدمها للمرة الأولى بعد لقائه بوتين في الكرملين عام 2023، عندما تحدّث عن «تحوّل تاريخي عالمي».
ثم طرح السؤال الأهم:
«هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز فخّ ثوسيديدس وصناعة نموذج جديد لعلاقات القوى الكبرى؟»
إنّ مفهوم «فخّ ثوسيديدس» نفسه هو من إنتاج مراكز التفكير الأميركية، لكنّ استخدام الرئيس الصيني له يعني أنّ الصين أصبحت القائد الفعلي للنظام العالمي الصاعد، وأنها وصلت إلى هذه المكانة من دون إطلاق رصاصةٍ واحدة.
بعد ذلك طرح ”شي“ رؤيته للعلاقات الصينية الأميركية خلال السنوات الثلاث المقبلة تحت عنوان: «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء».
لكن هذا الشعار يصطدم بثلاث حقائق أساسية:
- الإمبراطورية الأميركية ليست «بنّاءة» بل تدميرية.
- وهي ليست «استراتيجية» بقدر ما تتحرّك وفق تكتيكات متقلّبة.
- كما أنّها لا تبحث عن «الاستقرار» بل عن إنتاج الفوضى وإدارتها.
لذلك، من الصعب على الصين أن تتوقع تعاونًا حقيقيًا من واشنطن، أو حتى «استقرارًا صحيًا» يقوم على منافسة منضبطة.
ما حدث في بكين بمثابة إعادة ضبط شاملة للعلاقة بين البلدين تقوم على:
1. التعاون أولاً،
2. ثم منافسة مُدارة،
3. وصولاً إلى نوع من السلام المتوقع.
لكن الولايات المتحدة، بحسب توصيف سيرغي لافروف، هي «دولة غير قادرة على الالتزام بالاتفاقات».
أما المسألة الأخطر، فهي تايوان.
شي جين بينغ قال بوضوح:
«استقلال تايوان والسلام عبر المضيق لا يمكن أن يجتمعا، تمامًا كالنار والماء».
وطالب الأميركيين بـ«أقصى درجات الحذر» في التعامل مع القضية.
بالنسبة لبكين، تبقى تايوان الخط الأحمر النهائي، وأي خطأ أميركي قد ينسف بالكامل معادلة «الاستقرار» التي يجري الحديث عنها.
أما التحليلات الأميركية التي ادّعت أنّ الصين قد تساعد واشنطن في ملف إيران مقابل تخفيف الضغط الأميركي حول تايوان، فهي مدعاة للسخرية مؤكداً أنّ الشراكة الاستراتيجية بين بكين وطهران أعمق بكثير من هذا المنطق.
النخبة الأميركية جاءت إلى بكين طلبًا للصفقات، بعد سنوات من خطاب «فكّ الارتباط» مع الصين والعقوبات والحروب التجارية.
وصف ترامب ذلك بحماسة:
«أفضل رجال الأعمال في العالم موجودون هنا أمامكم».
ثم أضاف:
«لقد جاؤوا اليوم ليعبّروا عن احترامهم لكم وللصين. إنهم متعطشون للاستثمار وعقد الصفقات».
مشهد يحمل مفارقة تاريخية:
الولايات المتحدة، التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها «الأمة التي لا غنى عنها»، جاءت عملياً لتؤدي التحية للقوة الجيو-اقتصادية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
الصين لم تعد تحتاجهم كما يحتاجونها
- «تسلا» تحتاج السوق الصينية ومصانع شنغهاي.
- «إنفيديا» تحتاج الوصول إلى سوق الذكاء الاصطناعي الصيني.
- «آبل» تعتمد على سلاسل التوريد الصينية.
- الصناعات الأميركية تحتاج المعادن النادرة التي تسيطر الصين على نحو 99% من قدراتها التصنيعية عالمياً.
أما الصين، فهي تبني تدريجياً استقلالها الاقتصادي والتكنولوجي ضمن خططها الخمسية الجديدة.
لذلك، فإنّ ما ظهر في بكين لم يكن تعبيراً عن قوة أميركية، بل عن اعتراف ضمني بتعاظم الاعتماد الأميركي على الصين.
إذا كان ترامب قد زار «معبد السماء» في بكين، فإنّ مفاتيح النظام العالمي الجديد لن تُصنع في واشنطن، بل داخل المثلث الصاعد: موسكو- بكين- طهران، مع دور هندي متزايد.
PepeEscobar
Lena Elhusseini
https://www.facebook.com/share/p/1BgiXcDcsi/

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire