الفنان يوسف سعدون
ما يقوم به المناضل جمال العسري، باسم تحالف اليسار الديموقراطي، في هذه الحملة الانتخابية يعيد إلى ذاكرتي مرحلة كانت فيها الانتخابات، بالنسبة إلى جزء من اليسار المناضل، أبعد من أن تكون سباقا نحو المقاعد والمواقع. كانت مناسبة للنزول إلى الناس، والتواصل المباشر معهم، وطرح الأسئلة التي يراد لها أن تبقى خارج النقاش العمومي، وفضح أشكال الاستغلال والاستعباد المتعددة الأوجه.
واليوم، أجد في هذه الحملة شيئا من تلك الروح؛ فتحالف اليسار الديموقراطي جعل من المشاركة الانتخابية مناسبة لطرح قضايا الفساد والريع وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة ومقاومة التطبيع وهي مضامين حاضرة بوضوح في ميثاقه وبرنامجه الانتخابي.
وما يلفتني في جمال العسري تحديدا أنه لم يحصر هذه المواجهة في اللقاءات الانتخابية الميدانية ، بل استطاع أن يحول الحملة إلى حضور في الفضاء الإعلامي المرئي، مستثمرا المنابر التي أتيحت له لعرض مواقف تحالف اليسار الديموقراطي والدفاع عنها. كما أن حضوره في المواجهات الإعلامية والسياسية يقوم، في كثير من الأحيان، على قوة الإقناع والاحتجاج بالحجة والنص الدستوري والمؤسسات، رغم كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الدستور وعلى حدود الممارسة الديمقراطية نفسها.
والأهم أنه يخوض النقاش دون أن يتخلى عن السؤال السياسي الأساسي: من يتحمل المسؤولية؟ ومن ينبغي أن يخضع للمساءلة؟ وقد ظهر ذلك بوضوح حين طالب، باسم التحالف ، بفتح تحقيقات قضائية في الاتهامات المتبادلة حول الفساد بين مكونات الأغلبية الحكومية. وجعل التدبير الحقيقي في يد المنتخب وليس المعين .
وهذا كله يعيدني إلى معنى قديم للانتخابات: أن تكون المعركة من أجل القضية قبل أن تكون من أجل المقعد؛ وأن تكون الحملة فرصة للوصول إلى الناس، ومخاطبتهم بالحجة، وفتح النقاش حول قضاياهم، وفضح الاستغلال السياسي والإداري والاقتصادي.
قد نختلف في التقديرات والمقاربات، لكن ما يستحق التنويه هو أن جمال العسري، في هذه المحطة، استطاع أن يمنح مشاركته الانتخابية مضمونا يتجاوز الحساب الانتخابي الضيق: حملة للتواصل، والمواجهة، والمساءلة، وإعادة السياسة إلى الناس.
وربما لهذا السبب تحديدا أعادتني هذه التجربة إلى زمن كان فيه المناضل يدخل المعركة الانتخابية وهو يعرف أن المقعد قد يأتي أو لا يأتي، أما القضية فلا ينبغي أن تسقط من الحساب.
https://www.facebook.com/share/p/19UNFpRosu/







