بعض المعلّقين على تدوينة سابقة حاولت فيها قراءة استحضار أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أمام الملك، بمناسبة عيد المولد النبوي، تجربة علماء مغاربة في القرن التاسع عشر، ودورهم في تعبئة المغاربة واستنهاض هممهم لمقاومة الاستعمارين البرتغالي والإسباني لتحرير الثغور المحتلة، اعتبروا أنني حمّلت كلام الرجل أكثر مما يحتمل، وأن تأويلي له مجانب للصواب. بل ذهب بعضهم إلى اتهامي بخدمة "أجندات أجنبية" لا يعلمها إلا هٌم!
لكن عندما انتبه الإعلام الأجنبي، ولا سيما الإسباني، إلى ما يمكن أن تحمله كلمات التوفيق من رسائل سياسية، خرج بعض "المحللين" المحسوبين على الأجهزة إيّاها، ليكتشفوا فجأة أن كلام الوزير حمل فعلا "رسائل مشفرة" إلى إسبانيا، تذكّرها بتاريخ المقاومة المغربية لاحتلال سبتة ومليلية والجزر المحتلة، وبالعلماء الذين قادوا تعبئة المغاربة لمواجهة الاستعمار.
بل ومن بينهم من سرح به الخيال إلى اعتبار استحضار تاريخ المقاومة المغربية في جلسة يرأسها الملك بمثابة "المدفعية الثقيلة" الذي تستمد ذخيرتها من جذور التاريخ المغربي، واعتبروا أن كلام التوفيق فيه تحذير مبطن للمستعمر الإسباني!
لكن يبدو أن هؤلاء "المحللين" لرسائل التوفيق نسوا شيئاً مهماً، أن التوفيق نفسه، والعلماء أنفسهم، والمقاومة نفسها، والتاريخ نفسه قد يعنون الشيء ونقيضه في نفس الآن!
ففي عام 2017، و في دولة الإمارات العربية المتحدة، قدّم أحمد التوفيق رواية مختلفة تماماً عن الدور الذي لعبه العلماء المغاربة في مقاومة التدخل الأجنبي خلال القرن التاسع عشر.
فقد قال آنذاك: "في القرن 19 تعرض بلدي المملكة المغربية للمناوشات العسكرية الأجنبية من جهة الشرق ومن جهة الشمال، وكان العلماء على رأيين، رأي غالب ضاغط يقول بالاستنفار بالجهاد، ورأي أقلية كانت ترى أن الأجانب متفوقون ماديا وعسكريا، وأن الصدام العسكري معهم سيجر كارثة محققة".
ثم أضاف: "وحيث إن الدولة وقعت تحت ضغط الجهاديين، فقد كانت هزيمة نكراء، أعقبها فرض تعويضات أداها المغرب بضرائب تجارته الخارجية لمدة ثلاثين عاما".
فأيُّ التوفيقين سنُصدّق؟
توفيق المغرب، الذي يستحضر العلماء والمقاومة ويشيد بدورهم في تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة؟ أم توفيق الإمارات، الذي يحمّل أولئك العلماء، مسؤولية دفع المغرب إلى مواجهات غير متكافئة انتهت بالهزيمة والاحتلال والارتهان للتعويضات؟
لا يمكن أن تكون المقاومة جهادا في سبيل الوطن في الرباط، وخطأً تاريخياً جلب الاستعمار إلى البلاد في أبوظبي!
كما لا يمكن للعلماء أن يكونوا في مناسبة ما رموزاً للمقاومة والاستنهاض الوطني، وفي مناسبة أخرى مجرد "انتحاريين" جرّوا البلاد إلى "كارثة محققة"!
المشكلة ليست في اختلاف زاوية قراءة التاريخ؛ فهذا حق مشروع، المشكلة أن تصدر نفس القراءة عن نفس الشخص، هنا تصبح المشكلة في ازدواجية الخطاب وفي نفاق صاحبه الذي يعيد قراءة التاريخ بحسب المكان والجمهور والجهة التي يُلقى أمامها خطابه.
الكثيرون يشيدون بغزارة ثقافة أحمد التوفيق، وبجرأته في أعماله الروائية التي يبوح فيها بما لا يجرؤ على قوله في خطاباته الرسمية، وهنا يطرح سؤال جوهري حول وظيفة الثقافة والفكر عندما يفتقد صاحبها الجرأة والمروءة والاستقلال الفكري.
ولا يجب أن ننسى أن هذا الوزير، الذي يوجد على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ نحو ربع قرن، وربما يعد اليوم أقدم وزير في العالم، والذي يُفترض أن يكون القطاع الذي يشرف عليه معنياً بالرحمة والعدل وحفظ كرامة الإنسان، لم يجد في خطابه الرسمي أمام الملك، ولا في الخطب الموحدة التي تدبّجها وزارته وتفرضها على أئمة المساجد كل جمعة، مساحة صغيرة حتى للدعاء لضحايا المأساة التي أودت بحياة عشرات المغاربة وهم يحاولون الفرار من واقع الفقر والبؤس، اللذين تنظر إليهما وزارته بـ«سداد التبليغ»!
https://www.facebook.com/share/1FK5CobT4A/






