د. فداء الريان
إن العملية العسكرية الإجرامية التي نفذتها الإمبريالية الأمريكية في فنزويلا ، واختطافها الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته، يشكلان أول تجلٍ عملي لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلنها ترامب، حيث واشنطن عازمة على فرض هيمنتها على نصف الكرة الغربي الذي تعتبره فنائها الخلفي ، و طرد أي قوى من خارجه و على رأسها الصين و روسيا .
و كالعادة تحاول الامبريالية الأمريكية تبرير أعمال قطاع الطرق و القرصنة هذه ، من خلال الادعاء بمحاربة الاتجار بالمخدرات التي ليست سوى ستارة دخان مصممة لإخفاء أهدافها الحقيقية ، بفرض السيطرة الامبريالية السياسية و الاقتصادية لرأس المال الأمريكي .
و هذا ليس بالجديد ، فالإمبريالية الأمريكية على الدوام تختلق الأعذار و تكيفها وفق مصالحها ، فخلال وجود الاتحاد السوفييتي و الكتلة الاشتراكية ، تذرعت ب "التهديد الشيوعي" و بحماية الديمقراطية و حقوق الانسان ، لتبرير الانقلابات والغزوات والعمليات السرية ، ثم بعد 11 سبتمبر تحولت الذريعة إلى "الحرب على الإرهاب".
ان هذا العدوان الوحشي على فنزويلا ليس كما تحب بعض وسائل الإعلام الغربية أن تصوره "نزاعًا بين الولايات المتحدة و فنزويلا" ، و لا "صدامًا بين مادورو وترامب" !
كلا ... إننا أمام حملة متصاعدة من العدوان من قبل القوة الإمبريالية الأكثر والأشد رجعية على وجه الأرض التي تحاول إخضاع أمة من أمم أمريكا اللاتينية بالقوة.
هكذا ينبغي فهم العدوان الامبريالي الأمريكي على فنزويلا ، لا بوصفه نزوة عابرة لإدارة ترامب ، بل باعتباره جزءً من استراتيجية جديدة تتبعها الإمبريالية الأمريكية لإعادة فرض هيمنتها على القارة الأمريكية بأكملها ، و ذلك في سياق الصراع بين الامبريالي مع كل من روسيا و الصين ، فقد جاء حرفيًا في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ما يلي :
"لقد حقق منافسون من خارج نصف الكرة الغربي اختراقات كبيرة في نصف كرتنا ، بما يضر بنا اقتصاديًا في الحاضر و بطرق قد تلحق بنا أذى استراتيجيًا في المستقبل ، إن السماح بهذه التوغلات دون رد جدي يُعد خطأ استراتيجيًا أمريكيًا جسيمًا ، يجب أن تكون الولايات المتحدة القوة المهيمنة في نصف الكرة الغربي شرطًا لأمننا وازدهارنا ، وهو شرط يتيح لنا تأكيد أنفسنا بثقة متى وأينما دعت الحاجة في المنطقة " .
و عليه ، فإن الهدف السياسي للإمبريالية الأمريكية هو إعادة إخضاع فنزويلا، باعتبار ذلك جزءاً من جهد أوسع يستهدف القارة بأسرها، فها هي تهديدات ترامب تتوعد كل من كوبا و كولومبيا و المكسيك بمصير مشابه!
في أول مؤتمر صحفي له بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة "لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن"، في إشارة مباشرة إلى العقيدة التاريخية التي تقوم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة.
ولفت ترامب إلى أن هذه العملية "تبرهن على أن الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن يُثار حولها أي شكوك في المستقبل".
في هذا السياق أيضا يجب على المرء أن يفسر التصريحات الأخيرة لوزير الحرب الأمريكي الذي أعلن بغطرسة : "نصف الكرة الغربي هو حي أمريكا وسنحميه".
كما لا يخفى على أحد مطامع رأس المال الأمريكي في نفط فنزويلا و ثرواتها الباطنية لا سيما في سياق الأزمة العامة للرأسمالية والصراع على مصادر الطاقة و طرق نقلها، فقد أوضح ترامب بجلاء أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا مباشرة، وأن نفط فنزويلا سيُسلم إلى شركات النفط الأميركية متعددة الجنسيات.
من المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تنتج يوميا 16 مليون برميل من النفط ثلثاه من النوع الخفيف "النفط الصخري"، لكنها تستهلك 20 مليون برميل يومياً! وفنزويلا تعد صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم لا سيما من النوع الثقيل.
لقد كان لافتا حجم التضامن الشعبي و الأممي مع فنزويلا و شعبها حيث عمت التظاهرات مدن العالم بحشود جماهيرية كبيرة، في لوحة تؤكد ما قاله القائد التاريخي لحزبنا الشيوعي السوري الرفيق خالد بكداش عن قطب الشعوب الذي لا تغيب عنه الشمس.
إن الحزب الشيوعي الفنزويلي PCV رفض الاعتقال التعسفي وغير القانوني للمواطنين نيكولاس مادورو و زوجته، كما دعى في بيان له الشيوعيين الى حمل السلاح فورا ومقاومة الغزو الأمريكي و حماية المواقع الإستراتيجية رافعاً شعار "خيارنا هو المقاومة حتى النهاية".
و لا يعني هذا الموقف تحت أي ظرف من الظروف، أي دفاع سياسي عن الإدارة الاستبدادية وغير الديمقراطية والمعادية للعمال والمناهضة للشعب لنيكولاس مادورو .
فالأمر لا يتعلق اليوم بشخص مادورو ولا بسياساته الداخلية، بل بالأطماع العدوانية والتوسعية للإمبريالية الأمريكية التي تم شرحها أعلاه.
يصر الحزب الشيوعي الفنزويلي على الحاجة الملحة إلى مخرج سياسي شعبي ودستوري وديمقراطي وسيادي للخروج من الأزمة، داعياً الطبقة العاملة والقوى الشعبية والديمقراطية الحقيقية إلى المضي قدماً في بناء جبهة اجتماعية وسياسية واسعة تكافح من أجل استعادة الدستور وسيادة القانون بالكامل، واستعادة الحقوق السياسية والاجتماعية والعمالية التي تم انتهاكها، والإفراج عن السياسيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنقابيين والصحفيين المحتجزين بشكل تعسفي، والدفاع عن السيادة الوطنية ضد كل تدخل إمبريالي، وتحقيق حل سياسي ديمقراطي للأزمة.
كلمة أخيرة : فإذا كان أحد قد اعتقد أن العالم “متعدد الأقطاب الامبريالية” ، سيؤدي إلى تخفيف استغلال الشعوب و تراجع الهيمنة ، فإن هذه الأوهام عليها أن تتبدد اليوم.
فالطريق الوحيد للتحرر الحقيقي من الإمبريالية هو طريق النضال من أجل إلغاء الرأسمالية على الصعيد العالمي، فالرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية نظام مأزوم، نظام حرب وعنف و نهب و اضطهاد.
و لا يمكن ضمان عالم من السلام والازدهار إلا بإسقاط النظام الرأسمالي ذاته و بناء الاشتراكية.
https://www.facebook.com/share/1XoZYgWzrV/

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire