من الخيمة إلى الفكرة: بيان المثقف العضوي في زمن الإبادة
حسن أو الحاج
ليست الخيمة نقيض الفكرة، بل شرطها الأخلاقي حين تُحاصر الحقيقة. في زمن الانهيارات الكبرى، حيث تتحول الإبادة إلى سياسة، والصمت إلى تواطؤ، يُستدعى المثقف لا بوصفه شارحًا للكارثة، بل بوصفه جزءًا من ميدانها. هنا، تتقدّم تجربة غازي الصوراني لا كسيرة شخصية، بل كـ بيان فلسفي حي عن معنى أن تكون مثقفًا عضويًا، منخرطًا في التاريخ لا معلقًا فوقه.
المثقف، في جوهره، ليس منتج معرفة فحسب، بل منتج موقف. وكل معرفة لا تختبر نفسها في نار الواقع، تتحول إلى ترفٍ لغوي أو زخرفة نظرية. من هنا، فإن تجربة غازي الصوراني، وهو يقيم ستة أشهر في خيمة نزوح تحت القصف والمطر والبرد، ليست تفصيلاً إنسانيًا عابرًا، بل تفكيكًا جذريًا لصورة المثقف المحايد، وإعادة تأسيس لمعنى المثقف العضوي كما تصوّره غرامشي: ذاك الذي يربط فكره بالبنية الاجتماعية للصراع، ويجعل جسده نفسه ساحة مواجهة.
في الخيمة، سقط الحاجز بين الفكر والحياة. لم يعد التنظير ممكنًا من خارج الألم، ولم تعد السياسة خطابًا فوقيًا. هناك، حيث استشهد أكثر من 250 فردًا من عائلة مشتهى، وحيث ما زال العشرات تحت الأنقاض، يصبح السؤال الفلسفي حادًا:
ما قيمة الفكر إن لم يكن قادرًا على الوقوف وسط الركام دون أن ينكسر؟
الثورة هنا ليست شعارًا، بل انحيازًا وجوديًا. فالمثقف العضوي لا يكتفي بإدانة العنف الاستعماري، بل يكشف بنيته، ويسمّي الأشياء بأسمائها: هذه ليست حربًا، بل إبادة؛ وليست أزمة إنسانية، بل مشروع اقتلاع. وفي هذا التحديد، تكمن أخطر وظائف المثقف: مقاومة التزييف اللغوي الذي تمارسه القوة.
غازي الصوراني لم يغادر موقعه الاجتماعي نحو برج عاجي، ولم يستبدل الخيمة بمنصة. لقد مارس ما يمكن تسميته سياسة الصمود: صمود المعرفة أمام محاولات الإخضاع، وصمود الذاكرة أمام هندسة النسيان. في هذا السياق، يصبح البقاء نفسه فعلًا سياسيًا، وتتحول الحياة اليومية – النوم، الانتظار، الحزن – إلى شكل من أشكال المقاومة.
إن المثقف المشتبك لا يبحث عن البطولة، بل عن الصدق. وصدقه يتجلى حين تتطابق لغته مع معاناة شعبه، وحين لا يتحدث عن الشهداء بلغة الأرقام، بل بلغة الانتماء. لذلك، فإن ذكر الشهداء هنا ليس طقس حداد، بل فعل استعادة للمعنى في عالم يسعى إلى تجريد الضحية من إنسانيتها.
في زمن الإبادة، يصبح الصمت خيانة، والحياد موقفًا سياسيًا منحازًا للجلاد. ومن هنا، تكتسب تجربة غازي الصوراني دلالتها العميقة: إنها تقول لنا إن المثقف الحقيقي لا يُقاس بعدد كتبه، بل بموقعه ساعة الامتحان.
من الخيمة، وُلد بيان غير مكتوب:
أن الفكر الذي لا يحتمي بالشعب، ينهار.
وأن المثقف العضوي لا ينجو وحده، بل ينجو بقدر ما يصرّ على البقاء مع الآخرين.
المجد للشهداء الذين حوّلوا الدم إلى سؤال أخلاقي مفتوح،
والتحية لكل مثقف قرر أن يكون شاهدًا لا شاهد زور،
ومشتبكًا لا محايدًا،
وإنسانًا… قبل أن يكون فكرة.
غازي الصوراني أبو جمال
https://www.facebook.com/share/p/17j4YbcmdV/

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire