تعرف جميع الكيانات البشرية المنظمة خصائص بنيوية مشتركة، سواء كانت شركة تجارية أو حزبا سياسيا. و انطلاقا من هذه القاعدة ، تصبح أمراض الإدارة والتنظيم تهديدا محتملا ، على المسؤول التنظيمي أن يكون واعيا بها و على دراية بأسلوب التصدي و معالجتها .
فعندما تصاب المؤسسة الحزبية بـ'التحكم المفرط' أو 'الضبابية في الأهداف' ويحل التخبط. وهذا ما تشهده التنظيمات السياسية اليسارية اليوم؛ إذ تحولت من كونها مصدر لإنتاج الأفكار والنخب إلى مؤسسات غارقة في يروقراطية، تنتج التفكك الداخلي وعزوف مناضليها ، و هي ذات الأعراض التي تدرسها معاهد الإدارة كعوامل لفشل للشركات.
و لنا في الترات الماركسي الثوري مرجع نظري بالغ الأهمية، ففي دفاتر السجن الجزء الثالت عشر ، و في خضم دفاع أنطونيو غرامشي بشدة عن ضرورة الحزب الثوري حذر من الخطر الذي يهدد كل تنظيم سياسي حين يلتبس في ذهن منخرطيه ، سبب وجوده. سمى غرامشي ذلك بـ"فيتشية التنظيم"1، أي أن يتحول الحزب من وسيلة للتحرر إلى غاية في ذاته، ومن أداة في خدمة المشروع المجتمعي إلى معبود صغير يطلب من منتسبيه الدفاع عنه بدون تدبر و فهم .
تبدأ الإصابة بهذا الخلل حين يصبح السؤال الأساسي داخل التنظيم ليس: ماذا نضيف للنضال السياسي؟ بل: كيف نحافظ على التنظيم مهما كان الثمن؟ وحين يصبح نقد القيادة تهديدا للوحدة، ويعتبر اي رأي مستقل خيانة، وتختزل المعركة في الدفاع الدائم عن الجهاز وأجهزته و قياداته.
عندها يفقد الحزب وظيفته بوصفه "مثقفا جماعيا"، ويتحول إلى طائفة همها إعادة إنتاج ذاتها، و تقتات على رصيد سلفها، فيما تتسع الهوة بينها وبين المجتمع الذي تدعي أنها أداته السياسية.
لم يكن تحذير غرامشي موجها ضد مفهوم التنظيم، بل ضد عبادة التنظيم. فالحزب الذي ينشأ لضرورة مجتمعية ، يفقد روحه عندما تصبح القضية في خدمة بقائه. والتنظيم الذي يفترض أن يكون أداة لتوسيع المشاركة والوعي، يتحول إلى قيد عندما يصبح الحفاظ على تماسكه الداخلي أهم من الإصغاء إلى التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع.
ربما يجدر بنا اليوم أن نستعيد هذا التحذير الغرامشي البسيط والقاسي في الآن نفسه: ليست كل أزمة يعيشها التنظيم مؤامرة خارجية، وليست كل مساءلة لآلياته نزعة تصفوية. ففي أحيان كثيرة، لا يكون الخطر الحقيقي في ضعف التنظيم، بل في نجاحه المفرط في إقناع أعضائه بأن وجوده أهم من الأسباب التي وُجد من أجلها.
1 الكلمة مشتقة من الفرنسية (Fétiche) وهي بمعنى "سحر" أو "تعويذة". تاريخيا، استُخدم المصطلح في (الأنثروبولوجيا) لوصف الأشياء التي يعتقد الناس أن لها قوى خارقة.
محمد سفريوي

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire