mercredi 1 juillet 2026

عبد السلام الطويل.. ضحية الأدب! / خالد سلايكي




آخر ضحايا الادب قبل أن تتحول الكتابة إلى مجرد بطاقة زيارة!
ليس صحيحًا أن الأدب يخلّد أصحابه. الأدب الحقيقي يفعل شيئًا أكثر قسوة؛ إنه يستهلكهم ببطء، ثم يترك أسماءهم تتجول في العالم مثل ظلال فقدت أجسادها. لم يكن عبد السلام الطويل ضحية مرض، ولا ضحية زمن، ولا حتى ضحية أستاذ كلية علوم التربية، الذي أسهم في اغتيال مستقبله حين قرأ النص بعين السلطة لا بعين المعرفة، فرأى نفسه في الكتابة، فعاقب الكاتب. كنت قريبًا من عبد السلام، والتقينا كثيرًا، ورافقته في رحلة إعداد أطروحته للدكتوراه تحت إشراف محمد سبيلا. لكنني كنت أشعر أن الرسالة لم تكن بحثًا عن درجة علمية، بل كانت محاولة متأخرة لدفن جثة حلم قديم. كان يكتبها كما يكتب الإنسان وصيته الأخيرة، لا مشروعه المقبل.
كل كاتب يظن أنه يكتب العالم، قبل أن يكتشف، متأخرًا، أن العالم هو الذي كان يكتب نهايته. تلك هي الخديعة الكبرى للأدب. إنه لا يمنح الكاتب الخلاص، بل يمنحه قدرة مؤلمة على رؤية ما لا ينبغي رؤيته. ومن يرى أكثر، يتألم أكثر. لذلك كان الأدباء الكبار دائمًا غرباء، لا لأن المجتمع لفظهم، بل لأنهم سبقوه إلى اكتشاف هشاشته. الأدب لا يصنع التعاسة، لكنه ينزع آخر الأوهام التي تجعل الحياة محتملة. ومنذ تلك اللحظة، يصبح الكاتب منفيًا حتى وهو بين الناس.
لهذا لا أستطيع أن أقول إن عبد السلام الطويل كان ضحية ذلك الأستاذ وحده. سيكون في ذلك ظلم للحقيقة. كان ضحية قلمه أيضًا، وربما قبل ذلك ضحية وفائه لذلك القلم. فالنصوص الصادقة لا تكتفي بفضح العالم، بل تفضح صاحبها أيضًا، وتحرمه من نعمة الصمت، ومن مهارة التكيف، ومن الذكاء الاجتماعي الذي يسمح للآخرين بالنجاة. الكتابة ليست موهبة؛ إنها عطب في الروح، وجرح يرفض أن يلتئم. ولذلك فإن أكثر الأدباء صدقًا هم أقل الناس قدرة على العيش.
رحل عبد السلام الطويل، لكن الذي رحل في الحقيقة هو شاهد آخر على أن الأدب لا يقتل أصحابه دفعة واحدة، بل يفاوضهم على أعمارهم صفحةً بعد صفحة، وجملةً بعد جملة، حتى إذا انتهى منهم، تركهم حكايةً أعمق من كل ما كتبوا. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل: ماذا كتب عبد السلام؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا كتب الأدب في عبد السلام؟ هناك، وحده، يبدأ السوال الحقيقي !
تحية صادقة لعبد السلام البقالي* الذي واجه الأقدار اللعينة وجعل الحياة قابلة للعيش!

وجبت الإشارة إلى أن العزيز عبد السلام البقالي صديق الراحل، وهو يقيم في بلجيكا .

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire