jeudi 6 août 2026

طاحت الصمعة... لا يمكن أن يكون الحجام وحده هو المسؤول عن سقوطها

 


الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتطوان في حق خمسة سائقي "طاكسيات" أجرة، والقاضي بإدانتهم بستة أشهر حبسا نافذا وغرامات مالية، بتهم تتعلق بـ"تسهيل الخروج السري" و"نقل ركاب بدون رخصة"، يطرح أكثر من علامة استفهام حول من يتحمل مسؤولية مأساة سبتة.


فبحسب مهنيي القطاع، فإن السائقين كانوا يمارسون عملا عاديا يدخل ضمن نشاطهم المهني، ولم يصدر أي قرار رسمي يمنع نقل المواطنين أو يحدد وجهات ممنوعة. فمراقبة الأشخاص، والتحقق من هوياتهم، واستجوابهم حول نوايا سفرهم، ليست من اختصاص سائق "طاكسي" الأجرة، بل من مسؤوليات السلطات الأمنية والإدارية.


الأغرب أن التهمة نفسها تحمل تناقضا صارخا؛ فكيف نتحدث عن "هجرة سرية" في واقعة كانت علنية أمام العالم، بثتها وسائل الإعلام وتناقلتها منصات التواصل الاجتماعي لحظة بلحظة؟ وكيف الحديث عن "مراكز حدودية" في سياق يتعلق بمعبر يفصل بين التراب المغربي ومدينة سبتة المحتلة، في وقت لا يعترف فيه المغرب رسميا بهذه الحدود كحدود دولية؟


الأكثر إثارة للاستغراب أن المحاكمة جرت في غياب دفاع المتهمين بسبب إضراب المحامين، ما يطرح أسئلة حول شروط المحاكمة العادلة، خصوصا في ملف بهذه الحساسية المرتبطة بمأساة إنسانية خلفت عشرات القتلى والجرحى والمفقودين.


بدلا من فتح تحقيق شامل يحدد المسؤوليات السياسية والأمنية والجنائية بشأن ما حدث في سبتة، يبدو أن البحث عن "كبش فداء" اتجه نحو الطرف الأضعف: سائقي "طاكسيات" الأجرة، الذين لا يملكون لا سلطة مراقبة الحدود ولا صلاحية منع التنقل.


ما جرى في سبتة ليس مجرد حادث عابر يمكن تجاوزه بأحكام قضائية تطال بعض السائقين، بل مأساة إنسانية غير مسبوقة، تقدر حصيلتها بأكثر من 149 قتيلا، وأكثر من ألف مصاب، فضلا عن عدد غير معروف من المفقودين. 


في إسبانيا فتحت تحقيقات قضائية لتحديد ملابسات الأحداث وتقييم احتمال وجود مسؤوليات جنائية، بينما في المغرب ما زالت الأسئلة الكبرى معلقة: من يتحمل مسؤولية هذه المأساة؟ لماذا وقع ما وقع؟ ومن يملك الإجابات؟


والمفارقة أن الجهة في المغرب التي أعلنت فتح أبحاث وتحقيقات قضائية لم تكن النيابة العامة، المفترض أنها سلطة مستقلة، وإنما وزارة الداخلية عبر ناطقها الرسمي، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول احترام مبدأ استقلالية السلط والفصل بين الاختصاصات.


فالنيابة العامة، باعتبارها جهازا قضائيا مستقلا، هي الجهة المخولة دستوريا بالإعلان عن مسار الأبحاث والتحقيقات القضائية، وليس السلطة التنفيذية. إن تدخل وزارة الداخلية للإعلان عن إجراءات يفترض أنها تدخل في صميم عمل النيابة العامة يضيف طبقة أخرى من الغموض حول طريقة تدبير هذا الملف وحول حدود استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.


الحقيقة أن الأحكام ضد سائقي "الطاكسيات" لن تطوي ملف سبتة، ولن تخفي حجم المأساة. فالحقيقة لا تدفن بإدانة الحلقة الأضعف، والمسؤولية لا يمكن اختزالها في سائق "طاكسي" نقل مواطنين من مكان إلى آخر.


استمرار صمت المسؤولين المغاربة، واختباؤهم وراء "مصدر رسمي مجهول الهوية"، والتهرب من تحمل المسؤوليات، ثم اختزال المأساة في معاقبة سائقي "طاكسيات" الأجرة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وتأجيج الغضب المكتوم في صدور العائلات المكلومة والثكلى.


طاحت الصمعة... لكن لا يمكن أن يكون الحجام وحده هو المسؤول عن سقوطها.


علي أنوزلا


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire