بينما كان ناصر بوريطة يجلس، في مشهد بدا أقرب إلى "الرهينة"، إلى طاولة التوقيع على فتح سفارة للكيان الصهيوني في الرباط، مطأطئ الرأس وهو يستمع إلى مجرم الحرب المسعور جدعون ساعر يتباهى بفتحه الدبلوماسي المُبين، كان البرلمان الأوروبي، في الوقت نفسه، يوجه صفعة سياسية ودبلوماسية ثقيلة إلى الرباط.
ففي 17 سبتمبر، صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة على قرار أكد فيه أن سبتة ومليلية تقعان ضمن أراضي الاتحاد الأوروبي وحدوده الخارجية، وطالب باحترام "غير مشروط" لسلامة أراضي الدول الأعضاء، معتبرا أن أي تشكيك في السيادة الإسبانية يتعارض مع التزامات المغرب كدولة شريكة. وفي تهديد واضح، ربط القرار الشراكة الأوروبية مع الرباط، بالتعاون الفعال في قضايا إدارة الحدود والهجرة وإعادة القبول، أي أن يقبل المغرب بدور "الدركي الأوروبي" فوق أرضه وضد مواطنيه!
أيا كان الموقف من مضمون القرار أو من اللغة التي استخدمها، فقد كان يستحق من الدبلوماسية المغربية جوابا سياسيا فوريا وواضحا.
فأين اختفى بوريطة؟ وأين اختفى جيش السفراء والدبلوماسيين الذين يكلفون المال العام ملايير الدراهم سنويا؟
على الأقل، حتى الآن، يبدو أن الصمت هو الجواب!
أين أيضا اختفى ضجيج جوقة "المطبلين" الذين هللوا لفتح سفارة لكيان يقوده مجرمو حرب، واعتبروا ذلك "لعبا كبيرا مع الكبار" للرد على التطاول الإسباني والأوروبي على حقوق تاريخية مغربية؟
أين هي مراهناتهم على مجرمي الحرب نتنياهو وترامب، باعتبار التقارب معهما ورقة قوة في مواجهة إسبانيا وأوروبا؟ هل سيتدخل ترامب أو نتنياهو لتغيير موقف البرلمان الأوروبي؟ هل ننتظر تصريحاتهما القوية ضد القرار أو مواجهتهما للاتحاد الأوروبي دفاعا عن الحق المغربي التاريخي في سبتة ومليلية؟
إسرائيل وأمريكا لا حلفاء لهما؛ حلفاؤهما هم فقط عملاؤهما، لا غير. فهما لا تفكران بمنطق "المطبلين" عندنا، ولا مكان في قاموسهما لمنطق "الأصدقاء" و"الحلفاء" كما يتوهم هؤلاء "المطبلون"، وإنما بمنطق مصالحهما أولا وأخيرا.
وأخيرا، أين اختفى الوزير الثرثار الذي ملأ الدنيا ضجيجا خلال مأساة سبتة؟ أين ذهبت تلك اللغة الصاخبة التي لم توفر حتى أبناء بلدته في تارودانت، حين وصف بعضهم بـ"السفهاء"؟
قوة الدول ليست في احتقار وإهانة وشتم مواطنيها، ولا في اعتقال أو التنكيل بكل مختلف أو منتقد لقرارات سلطاتها أو التشهير به ووصمه بالخيانة والعمالة. القوة الحقيقية للدول تبدأ من احترام مواطنيها، وإشراكهم في قراراتها وفي القضايا التي تمس مستقبلهم، وإطلاعهم على ما يجري باسمهم، ومساءلة المسؤولين أمامهم.
الدول القوية تستقوي بمواطنيها، أما الأنظمة الضعيفة فتستقوي عليهم. وحين تصبح السلطة أكثر شجاعة في مواجهة مواطنيها من مواجهتها للخارج، وحين يصبح المواطن آخر من يعلم بما يجري باسمه، فإن المشكلة لا تعود في المواطن الذي يسأل أو ينتقد أو يحتج، بل في نظام سياسي لا يتقن سوى لغة قمع مواطنيه واحتقارهم وإهانتهم.
قرار البرلمان الأوروبي ليس نهاية العالم، ولا ينبغي التعامل معه كذلك. لكنه بالتأكيد لحظة كاشفة؛ تكشف حدود الرهانات الخاطئة لدبلوماسية فاشلة اختارت أن تضع كل بيضها في سلة واشنطن وتل أبيب. والصمت هنا ليس جوابا، وعندما يطول ويتكرر، يصبح عجزا وفشلا وخوفا..
https://www.facebook.com/share/p/19dkxk9zaU/

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire