علي أنوزلا:
في انتخابات 2021، راجت في الأوساط السياسية رواية مفادها أن فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك والرجل الذي ارتبط اسمه طويلا بهندسة الخرائط السياسية، كان بعيدا عن "مركز قيادة" تلك الانتخابات، وسط حديث غير مؤكد عن "غضبة ملكية". وسواء صحت تلك الرواية أم لا، فقد أفرزت تلك الانتخابات، التي أسندت قيادتها إلى مهندس قناطر مثل عبد الوافي لفتيت لا يفهم في السياسة، خريطة طغى عليها حضور الأعيان والمال، وانعكس ذلك في النتائج الكبيرة التي حققها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، مقابل انهيار غير مسبوق لحزب العدالة والتنمية، وتحجيم حضور اليسار الراديكالي إلى مستويات جعلته شبه غائب عن المؤسسات.
وكان الرابح الأكبر من نتائج تلك الانتخابات هو لفتيت نفسه، الذي مُدد بقاؤه على رأس وزارة الداخلية، خلافا لعدد من أسلافه الذين كانوا يغادرون منصبهم بعد ظهور نتائج الانتخابات، ومنهم من غادر مغضوبا عليه، خصوصا بعد الاستحقاقات التي حقق فيها العدالة والتنمية نتائج بدت فوق السيطرة والضبط. ويمكن قراءة استمراره، على رأس "أم الوزارات" باعتباره تعبيرا عن رضا السلطة عن تدبيره لمرحلة انتهت بتراجع حاد للإسلاميين، بعدما كان صعودهم الانتخابي خلال استحقاقات سابقة يطرح تحديا أمام محاولات ضبط الخريطة الحزبية.
لكن السلطة ستنتبه لاحقا إلى الخطأ الذي ارتكبته "آلة" الانتخابات عندما تركت قيادتها لمهندس لا علاقة له بالسياسة. فقد أضعفت المعارضة المؤسساتية، وفتحت الطريق أمام الأوليغارشيا المفترسة للوصول إلى تدبير المال العام. وكانت الحصيلة خمس سنوات من الفضائح والصفقات والفساد والتلاعب بالمال العام، انتهت باعتقالات رمت بنواب ومنتخبين في السجون بتهم تتعلق بالفساد وتبدير المال العام والاتجار في المخدرات، في سياق حاولت فيه الدولة إظهار قدر من الحزم لتنفيس الغضب الشعبي المتعاظم.
وكادت سياسات الحكومة المنتهية ولايتها أن تحرق البلاد عندما انفجرت احتجاجات "جيل زد"، التي وجهت مطالبها مباشرة إلى الملك، وطالبته بإقالة حكومة الأوليغارشيا ومحاسبة المفسدين. لكن الاحتجاجات جوبهت بالقمع والاعتقالات والمحاكمات والسجون، ولأول مرة استُعمل الرصاص الحي في مواجهة محتجين مسالمين في الشارع. وأمام آلة القمع، اضطر الشباب إلى الهروب في مشهد لن يمحى من الذاكرة الجماعية المغربية، في تعبير واضح وصريح عن أن السيل بلغ الزبى.
ومن كان يتابع الحياة السياسية عن قرب خلال السنوات الخمس الماضية، كان سيلاحظ أيضا أن وسائل إعلام مقربة من أجهزة الدولة العميقة شنت حملات إعلامية قوية ومتواصلة ضد عزيز أخنوش. وكان ذلك يُفسر بأن جزءا من الدولة العميقة في المغرب كان معترضا على الطريقة التي وصل بها أخنوش إلى رئاسة السلطة التنفيذية، وعلى أسلوب تدبيره الذي تداخلت فيه السياسة مع تضارب المصالح والفساد.
واليوم، يصل الحزب الذي أسسه فؤاد عالي الهمة إلى رئاسة الحكومة، بعد انتخابات كادت أن تصنع المفاجأة، عندما بدا حزب العدالة والتنمية متقدما في عدة دوائر انتخابية، قبل أن يتوقف ذلك التقدم عند اكتمال عملية الفرز، بطريقة أو بأخرى. وزاد تأخر الإعلان عن النتائج إلى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي للاقتراع من الأسئلة والتأويلات التي رافقت تلك الليلة الانتخابية، من دون أن يشكل ذلك، في حد ذاته، دليلا على حدوث تدخل من جهة ما في النتائج.
ومن هنا تطرح المرحلة المقبلة أسئلة كثيرة حول مصير التجمع الوطني للأحرار ورئيسه. فقد لا يدعى الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة، رغم أن قيادته أبدت استعدادها للمشاركة فيها. كما لا يمكن استبعاد أن تعود إلى الواجهة مستقبلا ملفات أو صفقات أبرمت خلال الولاية السابقة إذا ظهرت بشأنها معطيات تستدعي التحقيق.
والسؤال يطرح أيضا حول مستقبل عبد الوافي لفتيت، الذي يوجد على رأس وزارة الداخلية منذ نحو عشر سنوات، وهي مدة طويلة بمقاييس عهد الملك محمد السادس. فانتخابات 23 شتنبر شهدت عودة قوية لحزب العدالة والتنمية، الذي بدا بعد هزيمته القاسية سنة 2021 وكأنه يتجه نحو الهامش السياسي، قبل أن يعود بعد خمس سنوات إلى موقع متقدم في الخريطة الحزبية.
وهنا تكمن المفارقة، الخريطة التي بدت سنة 2021 وكأنها أنهت مرحلة سياسية كاملة، عادت بعد خمس سنوات لتفرز جزءا من القوى التي حاولت تجاوزها. والسلطة، أو جزء منها، لن تتسامح مع من كان السبب، سواء مباشرة أو غير مباشرة، وراء هذه العودة غير المرغوب فيها بالنسبة إليها. أما ما إذا كانت نتائج 2026 ستفتح الباب أمام إعادة ترتيب مراكز النفوذ، أو تغيير الوجوه التي أدارت المرحلة السابقة، أو حتى فتح بعض ملفاتها، فذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة.
لننتظر ونشاهد... فالفرجة، على ما يبدو، لم تبدأ بعد.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire