jeudi 12 février 2026

مقاومة الطغيان ضمن نظام قمعي


 

لماذا لم يتحرك الألمان العاديون لإسقاط النظام النازي؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب مقاربة واقعية تستند إلى فهم الشروط الاجتماعية والسياسية التي تحكم سلوك الأفراد تحت الأنظمة الشمولية، بعيداً عن التصورات الرومانسية التي تختزل المقاومة في فعل بطولي فردي.


 مقاومة الطغيان في الواقع ليست فعلاً تجريدياً، بل قراراً عملياً يترتب عليه ثمن مباشر. فالأفراد الذين يعيشون ضمن نظام قمعي يضطرون إلى حساب نتائج أي فعل معارض على حياتهم الخاصة. يشمل ذلك احتمالات الاعتقال، فقدان مصدر الدخل، وتعريض الأسرة لمخاطر اقتصادية وأمنية. في حالات كثيرة، يكون المعارض هو المعيل الأساسي لأسرته، ما يجعل قرار المقاومة مرتبطاً بمصير الزوجة والأبناء، لا بمصيره الشخصي فقط. وهكذا يتحول الفعل السياسي إلى مسألة بقاء يومي.


من منظور علم الاجتماع السياسي، لا تنشأ المقاومة الفاعلة عادةً من مبادرات فردية معزولة، بل من شبكات اجتماعية متماسكة تتيح تقاسم المخاطر وتوفير الدعم المتبادل. وجود جماعات يثق أفرادها ببعضهم يسهم في تخفيف كلفة المشاركة في الاحتجاج، ويجعل من الممكن الاستمرار في الفعل الجماعي. غير أن النظام النازي عمل بصورة منهجية على تقويض هذه البنى الوسيطة من خلال عملية    عُرفت باسم “التنسيق” (Gleichschaltung)، وهي سياسة هدفت إلى إخضاع مختلف مؤسسات المجتمع المدني لسلطة الحزب.


شملت هذه العملية السيطرة على النوادي والجمعيات التي كانت تشكل أساس الحياة الاجتماعية في ألمانيا، مثل الأندية الرياضية، والجمعيات، والتنظيمات الشبابية. لم يعد مسموحاً لأي تنظيم بالعمل بصورة مستقلة؛ إذ فُرضت عليه قيادة موالية للحزب، أو استُبدل بتنظيم رسمي تابع له. وفي بعض الحالات، أصبحت العضوية في المنظمات التي أنشأها الحزب شبه إلزامية، ما أدى إلى دمج الأفراد في هياكل خاضعة للرقابة السياسية.


إلى جانب ذلك، كان القمع المباشر عاملاً حاسماً. فقد واجهت محاولات الإضراب أو الاحتجاج باعتقالات فورية، واستُهدف المنظمون والقيادات بشكل خاص من قبل جهاز الأمن السري (الغستابو). كما استُخدمت أساليب الترهيب والعنف لردع أي تحرك جماعي. هذا الجمع بين تفكيك المجال الاجتماعي واستخدام القوة الصارمة أدى إلى شلل القدرة على التنظيم المستقل.


وعليه، فإن غياب انتفاضة واسعة النطاق لا يمكن تفسيره باعتباره دليلاً على تأييد شعبي مطلق، بل ينبغي فهمه في سياق بنية سلطوية نجحت في رفع كلفة المعارضة، وتفكيك شبكات التضامن، وإخضاع المجال العام لرقابة شاملة. في مثل هذه الظروف، تصبح المقاومة مسألة معقدة تتجاوز الإرادة الفردية لتتصل بالبنية الاجتماعية والسياسية التي تحدد إمكان الفعل الجماعي.


يمكن القول إن تقنية 

"التنسيق الشامل" (Gleichschaltung)، القائمة على إخضاع الفضاء الاجتماعي ومؤسساته لهيمنة السلطة ودمجها في بنيتها الرسمية، لم تبقَ ظاهرة تاريخية ألمانية فحسب، بل جرى استنساخ منطقها في سياقات عربية متعددة من خلال تطويع النقابات والجمعيات والأندية وتحويلها إلى أذرع خاضعة لإرادة الدولة.


ودمتم

جميل سالم

12 شباط/فبراير 2026


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire