سمير دياب
بعد نشوة الإنتصار واعتقاده بمسك قرار الحل والربط في فنزويلا، شن ترامب عدوانه مع شريكه نتنياهو على إيران لإخضاعها ومسك قرار الحل والربط في المنطقة. لكن تبين له بعد أسبوعين من الضربة الخاطفة الاولى بأنه وقع في فخ الحرب وسوء التقدير الخطير الذي يكاد يورط العالم بغروره وقراراته الفوضوية.
لم يحصل ما كان متوقعاً من أن إغتيال القيادة الايرانية يؤدي إلى إنهيار النظام والاستسلام. ولم تندلع الإنتفاضة الشعبية كما كان مخططاً لها. فإيران هذه المرة، لم تركن إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة، ولم تثق بالغدار. فما يقوله ترامب يعمل عكسه، والتجربة معه ومع الكيان الصهيوني باتت مكشوفة. فإستعدت بدورها لهذا الغدر، وتحضرت للمواجهة، لتحدث المفاجأة لدى شركاء العدوان من خلال تكثيف إيران ضرباتها وتوسيع هجومها، وبضرب القواعد والمنشآت العسكرية الاميركية والبنية التحتية للمؤانئ والمطارات ومصافي النفط والغاز ومراكز البيانات بهدف الضغط الايراني على واشنطن لوقف العدوان عليها. ولفت نظر دول الخليج حيال الثمن الباهظ المدفوع دون فائدة بوجود قواعد عسكرية أميركية وهمية عندهم. ليأتي إغلاق مضيق هرمز ليمثل الضربة الاقتصادية الأكبر لدول العالم، ولا سيما دول مثل السعودية وقطر والامارات. عدا، عن تدفيع الاميركي ثمناً اقتصادياً باهظاً. فمن المعروف أن 25% من النفط العالمي يمر عبرهذا المضيق، إضافة إلى نسبة 20% من الغاز الطبيعي. ما يؤدي حكماً إلى فوضى السوق وإرتفاع أسعار النفط يومياً لسقوف لا يمكن تحملها. في مقابل إنخفاض الأسهم في كل مكان.
من الطبيعي، وفق هذه الظروف أن تتأثر بعض الدول أكثر من غيرها بشكل مرحلي. ولا سيما دول آسيا، فالصين مثلاً تتأثر كثيراً كونها تعتمد على هذا النفط من إيران، لكن من المعلوم أن الصين لديها إحتياط نفطي كبير، وتتمتع بهامش مستقل في مجال الطاقة. بينما اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تعتمد على أكثر من 85% من نفط المنطقة، ولا يمكن لها أن تحتمل مدة طويلة في حال بقيت الاسعار على جنونها المرتفعة. خصوصاً، بعد إنخفاض الاسهم بشكل لافت خلال أسبوع.
اما على الصعيد الاوروبي، فالحال من المحال. وهناك أزمة كبيرة تلوح في الأفق، بعد إرتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% لحد الأن.
*****
حرب الاستنزاف الطويلة لها حساباتها وأكلافها وأسعارها ونتائجها. وبلغة بسيطة نجد أن كلفة الصاروخ الاميركي الواحد يكلف 150 مرة عن كلفة الصاروخ الايراني.. هذا الجانب له تأثيره، ولو أنه ليس الوحيد. ويبدو أن التكتيك الايراني يعتمد على الصواريخ مع مرافقة المسيرات بكميات هائلة بشكل يصعب اعتراضها كلها، وإرباك قدرة أنظمة الدفاع الجوية الصهيونية أو الاميركية على تحديد الأهداف بفعالية. أما دول الخليج فإنها قلقة من نفاد المخزون، مع التعبير عن الغضب الشديد حيال تلكأ واشنطن في توفير الاحتياطات اللازمة. والشعور بالاستياء من تخلي واشنطن عن توفير الدعم والحماية اللازمين كما يحصل لدى الكيان الصهيوني.
من الواضح أن ترامب وإدارته، بعد الفشل الذريع في خطته، يعيش حالة من التخبط مع غياب أي "مخرج للأزمة". وهذا واضح من تصريحاته العشوائية المتكررة وأهدافه المبهمة. وهذا بدوره يسبب فوضى إعلامية ملحوظة للإدارة الأمريكية. ففي يوم يقولون أن "الحرب قصيرة"، وبعد ساعات "الحرب طويلة". وفي اخبار عاجلة يقولون "إنهم يريدون التفاوض"، وفي اليوم التالي "لا يريدون التحدث إليهم".. وهكذا العالم، يعيش على إيقاع حركات ترامب وأفكاره الجهنمية. في وقت تزداد عزلته الداخلية والدولية، مع تدني شعبيته إلى نسبة 41% فقط، وإعتراض 59% على سياساته الحربية والاقتصادية. وما شهدناه من تصدعات داخل تحالف ماغا إلا مؤشر من مؤشرات التخبط وفقدان قدرة ترامب على التماسك والتركيز وحالة الشعور بكابوس الحرب في المنطقة.
لقد كشفت الحروب المتعددة، وآخرها على إيران ولبنان، عن عجز الاتحاد الاوروبي الذي وجد نفسه على هامش القرار دون قيمة أو وزن. فدول الاتحاد الاوروبي لم يتم التشاور الاميركي معها أو إبلاغها بالهجوم على إيران. ولا بأي شيئ سوى الطلب الى الاتحاد مساعدته بعد فشله في فتح مضيق هرمز.
القارة الاوروبية التي غرقت في الحرب الاوكرانية وقطعت عن نفسها واردات الغاز الروسي الرخيص الذي كان يمثل 50% من إمداداتها قبل الحرب عام 2022، والتي زادت من مشتريات الغاز الأميركي الأكثر تكلفة بكثير. وما أن بدا التضخم ينحسر نسبياً، يأتي العدوان الاميركي – الاسرائيلي الثاني على إيران ليشكل صدمة اقتصادية كبيرة ستدفع ثمنها غالياً. وعندما طلب ترامب مساعدة من الاوروبيين واليابان وكوريا الجنوبية والصين المساعدة لفتح مضيق هرمز كان الجواب من الجميع حاسماً برفض الطلب، والرد على ترامب باللغة الدارجة " قلع شوكك بأيدك". هذا التناقض سيتزايد أكثر مع إشتداد الازمة الاقتصادية وإطالة الحرب على إيران والمنطقة.
اما محاولات واشنطن واستخباراتها بالتعاون مع المخابرات الصهيونية إدخال العامل الكردي على خط الحرب في إيران فقد باءت بالفشل أيضاً. لاسباب مختلفة وكثيرة لا مجال لذكرها الآن منها ما يتعلق (بإيران والعراق وسوريا تركيا). لكن يبقى الأهم، وهو التاكيد على موقف الشعب الكردي وقواه الوطنية والتقدمية بعدم الانجرار وراء الوعود الكاذبة للإمبريالية الاميركية والصهيونية وإستخدام القضية الكردية في خدمة مصالح العدوان على إيران وليس في خدمة القضية الكردية.
فالعدوان يستهدف إيران كمحطة للاستيلاء على المنطقة برمتها دون توفير أي دولة أو شعب فيها، وأخضاعها بقوة الحديد والنار، تحت نير الاستعمار الفاشي وفق "مشروع الشرق الاوسط الكبير".
*****
لقد بات جلياً، أن طبقة إبستين الرأسمالية المتوحشة لا تلتفت إلى حق الدول بسيادتها واستقلالها، ولا تعترف بالقوانين الدولية ومواثيقها، ولا بحق الشعوب في المقاومة والتحرر الوطني. بل تمارس وحشيتها دفاعاً عن تفوقها وعنصريتها وطبقتها في إرتكاب مجازر الابادة الجماعية والتدمير والحصار والتهجير والافقار والاستغلال الطبقي.
العدوان على إيران ولبنان، هو عدوان على فلسطين وسوريا والاردن واليمن والعراق ومصر والخليج العربي.. وهي معركة مفتوحة وقاسية، إن لم يتم التصدي بالوحدة والصمود والمقاومة الوطنية الشاملة، وبكل الوسائل المتاحة، ووفق مشروع وطني تحرري وأممية ثورية، لتخليص البشرية من إمبريالية الحروب والدمار والاستعمار، ومن صهيونية التوسع والعنصرية والدم والخراب.. فلا سلام ولا تقدم للمنطقة والبشرية من دون القضاء على الفاشية الجديدة.
19/3/2026

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire