mercredi 10 juin 2026

تساؤلات أزمة الحركة الثورية العالمية


 


 أزمة الحركة الثورية العالمية .. هل هي عابرة أم نتيجة تخلفها عن فهم قاعدتها الاجتماعية .

🔳 سليمان أحمد .. 


تعيش الرأسمالية العالمية في العقود الأخيرة سلسلة متواصلة من الأزمات البنيوية التي تتجلى في اتساع الفوارق الطبقية، وتكرار الأزمات الاقتصادية، وتصاعد الحروب والصراعات الدولية، وتفاقم الكارثة البيئية، وتزايد هشاشة العمل واتساع دائرة الفقر والتهميش .

ومع ذلك، فإن القوى التي تطرح نفسها بديلاً تاريخياً للرأسمالية، وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية والعمالية والحركات اليسارية الراديكالية، تعاني بدورها من أزمة عميقة تحد من قدرتها على تحويل هذه التناقضات المتفاقمة إلى مشروع تغييري قادر على استقطاب الجماهير وقيادة عملية التحول الاجتماعي .

وقد جرى تفسير هذه الأزمة، وأقصد أزمة الحركة الثورية، بطرق مختلفة، فهناك من يعزوها أساساً إلى انتشار النزعات التحريفية والانتهازية داخل الأحزاب الشيوعية، وما رافق ذلك من تراجع الطابع الثوري لهذه الأحزاب وانخراط بعضها في إدارة النظام القائم بدلاً من العمل على تغييره .

غير أن هذا التفسير، على الرغم من احتوائه على جانب مهم من الحقيقة، لا يكفي وحده لفهم حجم الأزمة وتعقيداتها .

فالمشكلة لا تكمن فقط في أخطاء القيادات أو في انحراف البرامج السياسية، بل ترتبط أيضاً بتحولات عميقة شهدها النظام الرأسمالي نفسه خلال العقود الأخيرة، وشهدتها تركيبة القاعدة الاجتماعية لهذه الأحزاب .

لقد استطاعت الرأسمالية أن تطور آليات جديدة للسيطرة تتجاوز حدود القمع المباشر، وهو ما أشار إليه مفكرون مثل أنطونيو غرامشي ولويس ألتوسير، فالرأسمالية لا تحكم عبر أجهزة الدولة القمعية وحدها، بل من خلال بناء منظومة واسعة من الهيمنة الثقافية والأيديولوجية تجعل النظام القائم يبدو طبيعياً وحتمياً في نظر غالبية الناس .

وقد أصبحت هذه الهيمنة أكثر قوة في عصر الإعلام العالمي ومنصات التواصل الاجتماعي ومخاطبة جوانب الكسل داخل الانسان والثقافة الاستهلاكية .

فالعامل المعاصر لا يتعرض للاستغلال الاقتصادي فقط، بل يتعرض أيضاً يومياً لعملية متواصلة من تشكيل الوعي وإعادة إنتاج القيم السائدة، ولهذا لم تعد السيطرة الطبقية تعتمد على القوة وحدها، بل على إنتاج الرضا والقبول الاجتماعي .

 وكما لاحظ المفكر الثقافي فريدريك جيمسون، فإن كثيرين باتوا يجدون من الأسهل تخيل نهاية العالم من تخيل نهاية الرأسمالية .

ولكن الهيمنة الأيديولوجية والثقافية ليست العامل الوحيد، فقد شهدت الطبقة العاملة نفسها تحولات عميقة نتيجة التغيرات التي طرأت على شكل الإنتاج الرأسمالي فالصورة التقليدية للعامل الصناعي الذي يعمل في مصنع كبير وينتمي إلى نقابة قوية لم تعد تمثل سوى جزء محدود من الواقع .

لقد أدى التطور التقني و التكنولوجي وإعادة هيكلة الإنتاج إلى ظهور أشكال جديدة من العمل، مثل العمالة المؤقتة، والعمل الرقمي، والعمل عن بعد، واقتصاد المنصات الإلكترونية، والتعاقدات الفردية المرنة، 

ونتيجة لذلك أصبح ملايين العمال أكثر تشتتاً وعزلة مما كانوا عليه في الماضي، وتراجعت المساحات الاجتماعية المشتركة التي كانت تساهم في نشوء التضامن الطبقي والوعي الجماعي .

لم يعد العامل يعيش بالضرورة في بيئة عمالية متجانسة أو يشارك يومياً مئات العمال الآخرين ظروف العمل نفسها، وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه الحركة الشيوغية المعاصرة . 

غير أن هذه التحولات لا تعني اختفاء الطبقة العاملة أو فقدانها لأهميتها التاريخية، فبحسب التحليل الماركسي، يوجد اليوم عدد من العمال المأجورين يفوق ما عرفه العالم في أي مرحلة سابقة، إلا أن هذه الطبقة أصبحت أكثر تنوعاً وتعقيداً، فالعامل قد يكون مبرمجاً أو موظف توصيل أو عاملاً في مركز اتصالات أو باحثاً أكاديمياً أو موظفاً في شركة تكنولوجيا، وما يجمع بين هؤلاء جميعاً هو استمرار خضوعهم لعلاقة العمل المأجور وبيع قوة عملهم مقابل الأجر .

 المشكلة لا تكمن في اختفاء الاستغلال الطبقي، بل في تفتت المواقع الطبقية وتعددها، الأمر الذي جعل بناء الوعي الطبقي أكثر تعقيداً مما كان عليه في المراحل السابقة، وعلى الحركة الشيوعية العالمية فهم هذا الأمر عن قرب، فعدم ادراكه، يعني عدم فهمها العميق لحالة قاعدتها الاجتماعية .

وهنا لا بد من التوقف عند نقطة منهحية هامة.. 

الرأسمالية التي درسها ماركس في القرن التاسع عشر ولينين في بداية القرن العشرين، تختلف في جوانب كثيرة عن الرأسمالية الرقمية المعولمة في القرن الحادي والعشرين، لقد ظهرت ظواهر جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والبيانات الضخمة والمنصات الإلكترونية والشركات العابرة للقارات، وأصبحت البيانات نفسها مصدراً أساسياً للثروة ولإنتاج القيمة، ولم يعد الاستغلال مقتصراً على مكان العمل التقليدي، بل امتد إلى مجالات جديدة من الحياة اليومية عبر الاقتصاد الرقمي .

ومن هنا فإن مهمة الماركسيين اليوم لا تتمثل في تكرار النصوص الكلاسيكية أو التعامل معها بوصفها أجوبة جاهزة لكل زمان ومكان، بل في استكمال ما تم التوقف عنده باستخدام المنهج المادي الجدلي لفهم التحولات الجديدة وتحليل التناقضات المستجدة التي تنتجها الرأسمالية المعاصرة .

وهنا لا أتحدث عن تحول جوهري في نمط الإنتاج الراسمالي، بل في أساليب وأشكال جديدة من النهب والهيمنة، تضعف معها أشكال مقاومتها من خلال تفكيك خصمها وعدوها الطبقي التاريخي ومحاولة مصادرة الجانب الثوري له . 

إن أزمة اليسار الثوري العالمي ليست إذاً أزمة ذاتية فقط، كما أنها ليست نتاج الهيمنة الأيديولوجية وحدها، إنها حصيلة تفاعل مجموعة من العوامل المتشابهة : أخطاء الأحزاب والحركات الثورية نفسها، والهيمنة الثقافية والإعلامية للرأسمالية، والتحولات العميقة في بنية الطبقة العاملة، والتأخر النظري في استيعاب الرأسمالية الرقمية المعولمة .

ومع ذلك، فإن هذه الأزمة لا تعني نهاية الأفق الاشتراكي فالرأسمالية الراهنة، على الرغم من قوتها الهائلة، تواصل بحكم طبيعتها، إنتاج تناقضات اقتصادية واجتماعية وبيئية متفاقمة، لكن هذه التناقضات لا تتحول تلقائياً إلى وعي ثوري أو إلى مشروع بديل، وهنا تكمن المهمة التاريخية للحركة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين .

https://www.facebook.com/share/p/1JTLG77ycC/

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire