samedi 15 août 2026

التَصوٌّف المٌتخَلِّف../ علي أنوزلا


 

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لعراب طريقة صوفية، عجيبة، تشبه إسم صاحبها، يظهر فيها وهو يمشي في موكب أشبه بالمواكب الملكية، فيما يتقدم أتباعه لتقبيل يديه والسجود لتقبيل قدميه. وفي مقاطع أخرى، ظهر عراك حامٍ بين مجموعة من المريدين المحسوبين على الطريقة البودشيشية، يتبادلون اللكم واللطم والرفس وسط صراخ يصم الآذان.


وليس هذا العراك، في ما يبدو، مرتبطاً بقضية مجتمعية أو فكرية، بقدر ما يعكس الانشقاق الذي يخترق الطريقة منذ وفاة عرابها حمزة، وما أعقبه من صراع على الإرث والنفوذ بين نجليه معاذ ومنير، المتنافسين حول أملاك وثروة والدهما، التي راكمها من تبرعات أتباعها وهبات الدولة السخية لها.


وفي مقاطع أخرى، يظهر عراب طريقة صوفية أخرى تحمل اسم صاحبها الكركري، وهو يصور نفسه متنقلاً بين عواصم العالم، ومتجولاً في أجمل المنتجعات ونزيلاً في أفخم الفنادق، مستمتعاً بما يغدقه عليه مريديه من عطايا وهبات، من بينهم من يحرمون أنفسهم وأبناءهم منها تقرباً إلى عرابهم وتزلفاً إليه.


هذه الظواهر الاجتماعية لا تنتج شيئاً ذا قيمة للمجتمع، بل تعيش عالة عليه وعلى أتباعها، تستنزف الفقراء الذين يتعلقون بها، فيما تحظى برعاية وحماية رسمية من الدولة، التي تقدم لبعضها الهدايا والهبات والتبرعات السخية من المال العام، بما يعزز مكانتها ويمنحها مزيداً من الشرعية في أعين مريديها.


تشجيع الدولة الرسمية لهذه الظواهر ، من خلال الهبات الملكية وسخاء  وزارة أحمد التوفيق، الذي يسعى إلى أن يجعل من الصوفية المتخلفة دين الدولة الرسمي،  ساهم في تناسلها في كل أنحاء المغرب حتى صار لكل جهة ومنطقة زاويتها وعرابها.. وهي في الحقيقة تجسد أسوأ أنواع التصوف الشعبوي الذي حوّل الزوايا الصوفية التقليدية إلى منصات للتسول والاسترزاق والاحتيال، وإلى فضاءات لاستعباد الأتباع وتبليد حسهم النقدي، وترسيخ ثقافة الطاعة والخضوع لديهم. وهنا تلتقي هذه الطرق، من حيث الوظيفة الاجتماعية والسياسية، مع أحد أهداف السلطة؛ أي تكريس ثقافة الخضوع والطاعة العمياء لولي الأمر.


أما التصوف كفلسفة عند كبار أقطابه، مثل الحلاج وابن عربي، فهو بريء من هذه الطقوس المقززة والمقرفة؛ إذ كان، قبل كل شيء، تجربة روحية وفكرية فردية عميقة، تتجاوز المظاهر والطقوس الشكلية إلى آفاق تأملية ومعرفية رحبة، تجمع بين التجربة الروحية الذاتية والتأمل العقلي والفلسفي في الوجود، والسعي إلى فهم العلاقة بين الخالق والمخلوق عبر مفاهيم ومصطلحات بالغة العمق والتعقيد. وهو، بهذا المعنى، نقيض لطقوس العبودية والإذلال والتسلط التي تجسدها هذه الممارسات البالية، والتي تسعى هذه الطرق، ومعها الدولة، إلى إحيائها وإنعاشها.


بين التصوف كتجربة روحية وفلسفية تبحث عن معنى الوجود، وظواهر التصوف الشعبوي المتخلف القائم على ثقافة الولاء والطاعة والإذلال عند الأتباع والمريدين، وتكديس الثروة والنفوذ والجاه بين يدي عرابي هذه الظواهر، مسافة شاسعة؛ الأول يحرر الإنسان من أسْرِ المادة وعبادة الأشخاص، أما الثاني فيحرمه من ماله وعقله وكرامته وإرادته بل وحتى إنسانيته معاً!

علي أنوزلا 

https://www.facebook.com/share/p/18H3Wzz7vK/



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire