تخطئ أسواق المال حين تحاول تأطير الصراع مع إيران ضمن جدول زمني قصير؛ فما نعيشه ليس مجرد مواجهة عابرة، بل هو لحظة تحول تاريخية في ميزان القوى العالمي، حيث ترفض القوى الصاعدة مبدأ الهيمنة الأحادية الذي حكم العالم لعقود.
معادلة الردع: الاقتصاد هو ساحة الحرب الحقيقية
المحرّك الفعلي لهذا الصراع ليس الرصاص، بل "عصب الحضارة": النفط، الغاز، والأسمدة. ترفض إيران اليوم أن تكون هدفاً سهلاً للاستهداف الاقتصادي، مقدمةً للعالم معادلة ردع جديدة: لا يمكن عزل قوة مركزية في سوق الطاقة دون أن يرتد الثمن على الجميع.
ما يراه البعض تصعيدًا، هو في جوهره محاولة لإعادة التوازن لقطاع طاقة تم استخدامه طويلاً كأداة ضغط سياسي ضد الشعوب السيادية.
الاستراتيجية الأميركية:
تصنيع الأزمة لفرض التبعية
تبدو واشنطن في هذا المشهد كمن يدير الأزمة لا ليحلّها، بل ليستثمر في نتائجها. الهدف؟
دفع العالم نحو اضطراب طاقي يجبره على العودة لبيت الطاعة الأمريكي، واعتماد الطاقة الأميريكية كبديل قسري مرتبط بشروط سياسية وعقوبات. هنا يسقط قناع السوق الحر لتظهر مكانه أدوات الضغط الجيوسياسي.
وهم التضخم وحقيقة الانكماش الكبير
ثمّة مغالطة اقتصادية كبرى تجري اليوم. فما يُسوّق له على أنه تضخم هو في الحقيقة انكماش قسري للاقتصاد الحقيقي.
الواقع: ارتفاع أسعار الطاقة المفتعل يضرب الصناعة، يرفع البطالة، ويفتك بالقدرة الشرائية.
الجوهر: نحن أمام هندسة اقتصادية متعمدة تخدم الطبقة المالية العابرة للحدود على حساب المجتمعات المنتجة.
حرب الطبقات الجديدة:
التمويل في مواجهة الإنتاج
انتقل الصراع من عامل ضد رب عمل، إلى شبكات مالية ضد شعوب منتجة. فالديون المتضخمة والفوائد المرتفعة ليست إلا قيودًا لإبقاء الدول في حالة تبعية دائمة.
التاريخ يخبرنا بوضوح أنّ الانهيارات الكبرى لم تأتِ من الإنفاق الاجتماعي، بل من تغوّل الديون الخارجية والاختلالات التي تفرضها القوى المهيمنة.
الطريق نحو التوازن
الحلّ لا يمرّ عبر مزيدٍ من الارتهان، بل عبر ثورةٍ على المفاهيم القديمة: شطب الديون الجائرة التي تخنق السيادة، وإعادة توجيه المال نحو الاقتصاد الحقيقي المنتج، وتبني نماذج اقتصادية (كالنموذج الصيني) تتعامل مع المال كخدمة عامة لا كأداة استعباد.
العالم يعيد تشكيل نفسه اليوم. أزمة الطاقة ليست إلا العَرَض، أما الجوهر فهو صراع على استقلال القرار الاقتصادي العالمي. في هذا المشهد، لا تمثل إيران مشكلة بقدر ما تمثل صرخة رفض لنظام مالي عالمي لم يعد قابلاً للاستمرار.
_____
مايكل هدسون
اقتصادي أمريكي بارز، متخصّص في قضايا الدَّين والتمويل الدولي ونقد هيمنة القطاع المالي، ومؤلف كتاب Super Imperialism حول دور الدولار والنظام المالي في تكريس النفوذ الأميركي عالميًا.
#michealhudson
Lena Elhusseini

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire