كان إدغار موران من القلائل الذين لم يحاولوا تبسيط العالم كي يطمئنّوا إليه. فقد نظر إلى تعقيد الحياة مباشرةً، إلى تناقض الإنسان، إلى هشاشة اليقين، ثم اختار أن يفكّر رغم ذلك، وأن يدعو إلى الأمل دون أوهام...
برحيله اليوم، لا نستعيد مفكّراً فحسب، بل نستعيد طريقةً نادرة في الإصغاء إلى الحياة: بعينٍ نقدية، وقلبٍ لم يفقد دهشته...
نستعيد اليوم هذا المقتطف من كتابه «دروس قرن من الحياة»، الذي يبدو كأنه كُتب لزمننا، ولقلقنا، ولحاجتنا الدائمة إلى معنى وسط كل هذا الالتباس:
إنَّ أحد الدّروس العظمى التي استخلصتها من حياتي هو الكفّ عن الإيمان بدوام الحاضر واتصال الصيرورة، والقدرة على توقع المستقبل، إنَّ انبثاقات غير المتوقع المباغتة تعمل بلا توقّف، وعلى نحو متقطع في الوقت نفسه على رجّ أو تحويل حياتنا الفردية، وحياتنا بوصفنا مواطنين، وحياة أمّتنا وحياة الإنسانية تارة نحو الغبطة والسعادة، وتارة نحو البلايا والمحن.
لا بد لنا من أن نعلم أن كل حياة هي عبارة عن ملاحةٌ في بحر من صنوف عدم اليقين، تتخللها بضع جزر أو أرخبيلات من الأمور اليقينية، ومنها نتزود بالمؤن.
لكي يَنْعَمَ المرءُ بشيخوخةٍ طيّبة، عليه أَن يُحافظ علىٰ فضول الطفولة، وتطلعات اليفاعة، ومسؤوليات الكهولة، وأَن يُحاول، خلال شيخوخته، استخلاص تجربة الأعمار السابقة. لن أكُفَّ أبداً عَن مُلاحظة ما هو قاسٍ وعنيد وعديم الرحمة فِي الإنسانية، ولا عَن مُلاحظة ما هو مُفزعٌ فِي الحياة، ولا أنا كافٌّ بالمثل عَن مُلاحظة ما هو نبيل وكريم وطيّب فِي الإنسانية، وما تشتمل عليه الحياة مِن أمور فاتنة ومُدهشة.
غالباً ما نُضطر إِلىٰ مواجهة التناقض الإتيقي الآتي : احترام كُلِّ شخص إنساني وعدم الإساءة إليه فِي ما هو مقدّس بالنّسبة إليه، وفِي الوقت نفسه مُمارسة الروح النقدية التي يحرّكها عدم احترام المُعتقدات المفروضة بوصفها مُعتقداتٍ مُقدّسةً.
النّقدُ الذاتي وقايةٌ نفسيّة جوهريّة.
يجدر بنا ألاّ نكون واقعيّين بالمعنىٰ المُبتذل (التكيّف مَع المُباشر)، أو غيرَ واقعيّين بالمعنىٰ المُبتذل أيضاً (التملّص مِن قيود الواقع)، وإنّما يجدر بنا أَن نكون واقعيّين بالمعنىٰ المُعقّد : أعني أَن ندركَ عدمَ اليقينِ الذي يكتنف الواقع، وأَن نعلمَ أنّه لا يزال ثُمة مُمكنٌ غير مرئيّ.
الفنُّ الذي ينسبُ إِلىٰ الغير كلماتٍ لم يقلْها، وأفكاراً لم تخطر علىٰ باله قَطُّ، وينتقص مِنْ قَدْرِ شخصِه بأَخَسِّ الطرائق، قلت : هذا الفنّ قد بلغَ ذُراه.
المصدر: إدغار موران، دروس قرن من الحياة، ترجمة خليد كدري، صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2023.
https://www.facebook.com/100077192752818/posts/pfbid09XxALqUCndycRUfLXiqu98nck5YzcNW4ASn7MS2mqoSgcf25vn214Gz1drqJTexml/?mibextid=Nif5oz

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire