mercredi 29 juillet 2026

الهجرة الاضطرارية شهادة إدانة للسياسات العمومية


لم تعد صور الشباب المغاربة الذين يصلون إلى الضفة الأخرى مجرد مشاهد عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي بل أصبحت تحمل رسائل سـ.ـياسـ.ـية واجتماعية عميقة تتجاوز لحظة الوصول نفسها وعندما يرفع أحدهم شارة النـ.ـصر بعد نجاته من رحلة بحرية محفوفة بالمـ.ـوت فإنه لا يحتفل بالمغامرة بقدر ما يعلن انتصاره على واقع دفعه إلى الفرار بعدما فقد الأمل في وطن لم يمنحه فرصة للحياة الكريمة.

ولم يعد المشهد يقتصر على شباب يبحثون عن فرصة عمل أو مستقبل أفضل بل امتد ليشمل شابات وأمهـ.ـات يحملن أطفـ.ـالهن بين أذرعهن ويقتحمن عرض البحر في واحدة من أكثر الصور إيلاما حتى أصبحت اللقطات القادمة من شواطئ سبتة المـ.ـحتلة تعكس أزمة ثقة عميقة بين المـ.ـواطن والسـ.ـياسات العمومية أكثر مما تعكس مجرد ظاهرة للهـ.ـجرة غير النظامية.

والمؤلم أن هذه الشارة التي يفترض أن ترمز إلى الانتصار أصبحت في نظر كثير من الشباب رمزا للنجاة من البطالة والهشاشة وانسداد الأفق لأن الهجرة الاضطرارية ليست حلما رومانسيا كما يحاول البعض تصويرها وإنما هي قرار يولد عندما يشعر الإنسان أن وطنه لم يعد قادرا على احتضان أحلامه ولا على ضمان أبسط شروط الكرامة.

وعندما يصبح الموج العاتي أقرب إلى الروح من دفء الوطن وعندما تصبح أجساد الشباب والنساء والأطـ.ـفال هي الرهان الأخير في قمار البقاء فاعلم أن الأزمة لم تكن يوما في البحر ولا في غدر الأمواج بل في اليابسة التي ضاقت بأبنائها حتى صار المجهول أكثر رحمة من الواقع وأصبح المـ.ـوت المحتمل أقل قسوة من حياة يطاردها الإحباط يوما بعد يوم.

ولقد ضاعت سنوات طويلة في انتظار وعود التنمية والإصلاح وخلق فرص الشغل وتحقيق العدالة الاجتماعية وبينما كانت الحكومات المتعاقبة تتحدث عن النمو والإقلاع الاقتصادي والـ.ـدولة الاجتماعية كان آلاف الشباب يعيشون البطالة والهشاشة وتآكل القدرة الشرائية وغياب تكافؤ الفرص ولذلك لم يعد مستغربا أن تتحول قوارب المـ.ـوت إلى مشروع حياة في نظر من فقدوا الثقة في جدوى الانتظار.

إن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد هو أن جزءا مهما من السـ.ـياسات العمومية لم ينجح في جعل المواطـ.ـن يشعر بأن له مستقبلا داخل وطـ.ـنه فالحـ.ـكومة التي تراهن على الأرقام والمؤشرات مطالبة بأن تنظر أيضا إلى مؤشرات اليأس والهجرة لأن نجاح أي سيـ.ـاسة لا يقاس بما يكتب في التقارير الرسمية وإنما بما ينعكس على حياة الناس وبقدرتها على جعل الشباب يتمسكون بوطنهم بدل البحث عن الخلاص خارجه.

وما الذي يدفع أما إلى أن تحمل أطفالها نحو بحر لا يرحم وهي تعلم أن موجة واحدة قد تنهي حيـ.ـاتهم جميعا إن الجواب لا يتعلق فقط بالفقر أو البطالة بل بفقدان الثقة في المستقبل وبالإحساس بأن الأبواب أغلقت وأن الوعود لم تعد تقنع أحدا وأن الكرامة أصبحت حلما مؤجلا لا يعرف موعد تحققه.

إن رفع شارة النـ.ـصر فوق أرض أجنبية لا يجب أن يقرأ باعتباره نجاحا للهجرة بل فشلا للسـ.ـياسات العـ.ـمومية وعجزا عن بناء نموذج تنموي يشعر المواطن بأنه شريك فيه لا مجرد متفرج عليه ولذلك فإن الاكتفاء بالتحذير من مخـ.ـاطر الهجرة أو تشديد المقاربة الأمنية لن يعالج الأزمة لأن مواجهة النتائج دون معالجة الأسباب لن توقف هذا النزيف البشري.

ومع ذلك فإن تمجيد الهجـ.ـرة غير النظامية يبقى خطأ لا يقل خطورة عن تجاهل أسبابها لأن البحر لا يمنح الجميع فرصة الوصول فكما يبتسم الحظ للبعض فإنه يبتلع آخرين دون أن يترك حتى أثرا لذكراهم ولذلك فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تشجيع الهروب وإنما في إعادة بناء الثقة بين الـ.ـدولة ومواطـ.ـنيها عبر سـ.ـياسات عمومية عادلة وناجعة تجعل الكرامة حقا والعمل فرصة والأمل واقعا.

إن أخطر ما في المشهد ليس شارة النـ.ـصر التي يرفعها شاب أو شابة بعد النجاة بل التصفيق الجماعي الذي يرافقها لأن الفرار عندما يصبح إنجازا يحتفى به فإن ذلك يعني أن السـ.ـياسات العمومية فقدت جزءا من قدرتها على إقناع المواطن بأن مستقبله يوجد داخل وطنه وهنا تكمن المأساة الحقيقية فعندما تصبح صورة الوصول إلى الضفة الأخرى رمزا للانتصار فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا هاجروا بل لماذا جعلت السـ.ـياسات العمومية والحـ.ـكومات المتعاقبة البقاء في الوطن يبدو في نظر كثير من الشباب هزيمة.

هاجر القاسمي

 https://www.facebook.com/share/p/195LMdqNZj/

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire