mercredi 28 janvier 2026

المدينة كنص: من يكتب غزة بعد الحرب




لا يكتمل اغتيال المدينة تماماً بالصواريخ والقنابل والجرافات، حتى وإن أضحت ركاماً وأنقاضاً؛ ذلك أنّ عيون المدينة تبقى مليئة بالأسئلة، وذاكرتها الجريحة تنزف بين الأنقاض بصمتٍ لا يتوقف.

ما عُرض في مؤتمر دافوس من صور لإعادة إعمار غزة ليس بريئاً، ولا تقنياً؛ بل هو المرحلة الثانية من عملية الاغتيال: فما لم يُمحَ بالصواريخ، سوف يُمحى بالعمران. نعم… بالعمران.

في أساسيات تخطيط المدن، هناك مصطلحان متقابلان: البناء بالهدم، والهدم بالبناء
(Construction by Deconstruction vs. Destruction by Construction).
أن تعيد بناء المدينة بلا ذاكرتها، وبلا روحها، هو أن تكسو الجريمة بطبقة إسمنتٍ ناعمة، وأن تحوّل الإبادة إلى مخطط تنظيمي أنيق. حتى لو افترضنا -جدلاً - أن الهدف هو حلّ المشكلات السكنية والاقتصادية (مع أنّ الأمر أبعد وأخطر من ذلك بكثير)، فإنّ الثمن سيكون تدميراً للنسيج الاجتماعي، وللذاكرة، والتاريخ، والهوية. عمرانٌ جديد وغزاويٌّ جديد؛ غزاويٌّ غريب في مدينته، لا شيء يشبهه، ولا شيء ينتمي إليه، حتى لو حاول، حتى لو أراد.

مدينةٌ تُحكم السيطرة عليه بالغربة والتشيؤ وثقافة الاستهلاك ، تُدجَّنه وتُقولَبه على الطاعة، قد تمنحه دخلاً أعلى وسبلاً أكثر للراحة الجسدية، لكنه قد يجد أنفسه يصرخ، مثل بطل رواية «عالم شجاع جديد» لألدوس هكسلي: «لا أريد السعادة… أريد أن أكون إنساناً».

ذاكرة المكان، طاقة المكان، الحمولة الحضارية للمكان، روح المكان، شاعرية المكان، شخصية المدينة، هوية المدينة، المدينة كنص مكتوب، العمران كموئلٍ للذاكرة الجماعية، العمران المقاوم ، العمارة كتحصين ثقافي وتعزيز للانتماء… كلها مفاهيم تُطرح وتُناقش قبل إقرار أي مخطط جديد في أروقة التخطيط العمراني في المدن الغربية.

فقد هجر الغرب عمارة الحداثة منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبدأ ينتبه إلى البعد الإنساني والاجتماعي للعمارة. لكن مخطط الإعمار المعروض لغزة لا يكترث بكل هذه المفاهيم؛ لأن غايته رأس المال لا الإنسان، ولأنه يقايض إنهاء المعاناة بالطاعة.

صحيح أن غزة سُحقت، وصحيح أننا لا نملك ترف الاختيار من أجل إنقاذ شعب يموت ببطء في الخيام. وصحيح أيضاً أن الواقع التخطيطي لغزة لم يكن مثالياً، وكان يحوي كثيراً من العشوائيات والمخيمات التي فرضها واقع ما بعد النكبة. لكن هذا لا يعني أن خيارات الإعمار محصورة بين نقيضين قاتلين: إما استنساخ المدينة كما كانت، أو أن يُعاد إعمارها كما لو كانت صفحة بيضاء.

التاريخ الحديث للمدن التي أُعيد بناؤها بعد الحروب يقول غير ذلك.

دريسدن، على سبيل المثال، دُمّرت تقريباً بالكامل في الحرب العالمية الثانية، لكن إعادة إعمارها جاءت عبر دمجٍ واعٍ بين العمارة المعاصرة وإعادة بناء المعالم الرمزية والتاريخية للمدينة. وهي عملية استغرقت عقوداً، وكان آخر فصولها إعادة بناء كنيسة «فراؤنكيرشه» عام 2005، وظلّت أماكن الذاكرة بؤراً تشع بتاريخ المدينة ووجدانها.

وفي هولندا، أُعيد ترميم أمستردام كقلب نابض بالتاريخ والذاكرة والهوية، بينما أُعيد بناء روتردام كمدينة معاصرة؛ مدينة للذاكرة، وأخرى كمختبرٍ معماري يطل على المستقبل.

 وارسو، دُمّرت بالكامل، وأُعيد بناء قلبها التاريخي حجراً حجراً بالاستناد إلى لوحات الرسام كاناليتو، وإلى الوثائق التاريخية المحفوظة في المتاحف.

في المقابل، لا يظهر في المخطط المطروح لإعادة إعمار قطاع غزة أي لون يشير إلى منطقة تاريخية، أو إلى قلبٍ للمدينة. حتى بمنطق الربح، يُفترض الاهتمام بالتراث والتاريخ لتنشيط السياحة الثقافية، لكنهم يعلمون أن كل حجرٍ قديم في المدينة سيبقى إصبع اتهامٍ يشير إلى ما حدث.

فماذا في وسعنا أن نفعل؟
أن ننتظر العالم لينقذ المعنى، وهو الذي صمت على سحق الجسد؟

ماذا يتوجب علينا أن نفعل،ألا تجرؤ اللجنة الوطنية لإدارة غزة على أن تقول لمن أعدّوا هذا المخطط:

نريد الإعمار لغزة، نعم، ولكننا نريد أن نستعيد صوت الأم في البيت، لا صوت أساور الذهب في معصم زوجة الأب.

د.عاهد حلس
Ahed Helles 

اللوحة للفنان محمد الحاج

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire